أصحاب السمو والمعالي
أصحاب السعادة
الضيوف الكرام
السيدات والسادة
يطيب لي أن أرحب بكم جميعا في دولة قطر للمشاركة في منتدى القانون الذي يعقد لأول مرة في بلادنا. وإننا سعداء بلقاء هذا المستوى الرفيع من رجال القانون والقضاة الذين حضروا، وممتنون للجهود التي بذلت من المنظمين لعقد هذا المنتدى. كما إننا نتطلع باهتمام كبير إلى ما ستوفره أفكاركم ومناقشاتكم من رؤى نستعين بها في مسيرة القانون على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

السيدات والسادة
الحضور الكرام
إن دور القانون كما نعلم هو تنظيم الحياة الاجتماعية على أساس كفالة ما للإنسان من حريات وتحديد ما عليه من واجبات. ولابد لهذا الدور من أن يستند على أساس من الحرية والمساواة ، بحيث يتوجه القانون للتوفيق بين حرية كل فرد من الأفراد والواجب المفروض لمصلحة المجتمع ، أي بمعنى آخر تقف الحرية الفردية عند حدود الواجب المفروض قانونا لكفالة حقوق بقية الأفراد. والهدف من ذلك طبعا هو تأمين التعايش السلمي في المجتمع البشري، وهو أساس النظام الاجتماعي ووسيلة بقائه وارتقائه. هذا الهدف الأسمى للقانون لا يمكن أن يتحقق بدون " سيادة القانون ".
إن مفهوم سيادة القانون، كما تعلمون، هو أصل من الأصول الدستورية على الصعيد الوطني، و يترتب عليه أنه لا يمكن للسلطات العامة القائمة في بلد ما أن تمارس سلطتها إلا بموجب قوانين مكتوبة صادرة وفق الإجراءات الدستورية المتفقه مع الدستور في بلد معين. والهدف هو تحقيق مبدأ الحماية ضد الأحكام التعسفية في الحالات الفردية. ويتجلى هذا المفهوم في أوضح صوره في ظل الحكم الديمقراطي الذي يعتمد تحقيق التنمية البشرية على أساس الحكم الصالح الذي تمارس فيه السلطة السياسية والاقتصادية والإدارية على جميع المستويات، بما في ذلك القطاع الخاص والمجتمع المدني. فالدولة لوحدها غير قادرة على بناء المجتمع الديمقراطي العادل الذي يتجسد الحكم فيه بالشفافية والمساءلة والفعالية والإنصاف.

السيدات والسادة
إن الديمقراطية إذاً هي نقطة البداية ، وإن رؤيتَنا في دولة قطر للديمقراطية رسمتها سياسة سيّدي حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى منذ تسلمه السلطة عام 1995، ومفادها أن الوسيلةَ المثلى التي تمكننا من تحقيق السلم والأمن والعدل والتنمية الشاملة هي بناءُ الديمقراطية، بدون إغفال الخصوصيات الثقافية الذاتية لمجتمعنا.
لقد شرعنا في هذا النهج من منطلقٍ واقعي بجهد حثيث لبناء دولة المؤسسات، وحقوق الإنسان، والمشاركةِ الشعبية الفاعلة في الإدارة والحكم على وفق القانون ومبادئ الشفافية والمحاسبة التي تضمن رأي الأغلبية من أبناء شعبنا حسبَ الدستور الذي صوّت عليه القطريون ودخل حيّز التنفيذ عام 2005. لقد نص الدستور صراحة على إن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، واعتمد جملة من المبادئ لتحقيق هذه الغاية منها مبدأ الفصل بين السلطات والتزام السلطات بنصوص الدستور وكفالة مبدأ المساواة بين الإفراد وحماية حقوقهم وحرياتهم.
ولهذا السبب شرعنا بعمل متواصل لإعادة النظر في التشريعات سارية المفعول على أساس الدستور من أجل تحديثها ومواءمتها مع متطلبات التنمية المستدامة والرقي بها إلى مستوى النهوض الذي ننشده لبلادنا في مختلف مجالات الحياة. وإننا لا نستبعد احتمالات الحاجة لسد جوانب النقص في التشريعات التي نشأت نتيجة التطور في المجال القانوني . ولهذا نتطلع إلى ما ينبغي اتخاذه في هذا الشأن، وهو ما نأمل من مناقشات وآراء المشاركين في هذا المنتدى.

السيدات والسادة
الحضور الكرام
أود الآن أن أتطرق إلى الالتزام العالمي بسيادة القانون، وهو المسألة الكلية لمحاور جدول أعمال المنتدى.
إن من الواضح لنا أن ترسيخ مبدأ سيادة القانون على الصعيد الوطني لا يكفي ما لم يتم اعتماده على الصعيد الدولي. فالدولة الواحدة لا تعيش بمعزل عن الدول الأخرى وبالتالي لابد من تنظيم العلاقات الدولية بما يحفظ الحقوق ويفرض الواجبات على أساس من سيادة القانون. وليس بخاف عليكم أن الأمم المتحدة تعنى بهذا الموضوع منذ سنين في إطار بند من بنود جدول أعمال الجمعية العامة الذي تناقشـه اللجنة السادسة القانونيــة التابعة لها. غيــر أنه ما زال ثمة الكثير مما ينبغي إعادة تأكيده وتعزيزه فيما يتصل بسيادة القانون على الصعيد الدولي . وفي الواقع أن سيادة القانون على الصعيـد الدولي هدف يعود إلى ما قبـل إنشــاء الأمم المتحدة، و لكن كما هو الشأن بالنسبة لسيادة القانون على الصعيد الوطني ، فإن المضي نحو تحقيقه يجب أن يكون مسعىً متواصلا . وفي هذا المسعى يجب أن ترتكز الجهود على قيم مشتركة متفق عليها، استنادا إلى الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي عموما ، والتي ينبغي احترامهـــا ، باعتبارهمــا ركيزتيــن لا غنى عنهما لعالم أكثر سلاما ورخاء وعدلا. كما يجب الإقرار بأن السلام والأمن والتنمية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية أمور مترابطة فيما بينها ويعزز كل منها الآخر، وهي قيم عالمية تشكّل ُ كلاًّ لا يتجزأ. ولا يعقل أن ندعو إلى إقامة كل هذه المسائل على الصعيد الوطني ونتخلى عنها على الصعيد الدولي.

والسؤال الآن : كيف يسري هذا على العالم من زاوية مبدأ سيادة القانون؟
من الحقائق المُسلم بها أننا نعيش في عالم واحد ضمن إطار نظام دولي أنشأ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، تمثله الأمم المتحدة وميثاقها والمنظمات المتخصصة التي ترتبط بها ، وكذلك العديد من المنظمات الإقليمية التي أنشأت ضمن هذا الإطار. والهدف من كل هذا كما لا يخفى هو توخي سبل تنظيم العلاقات الدولية على قاعدة من الأهداف والمبادئ المتفق عليها بما يحقق المصلحة المشتركة ، التي تتكوّن بالضرورة نتيجة الاعتماد المتبادل لأعضاء المجتمع الدولي في حياتهم المشتركة.
ومن البديهي أن تكون المصالح انعكاسا لرؤى، فردية أو جماعية ،بشأن تأمين حاجات الحياة الإنسانية التي تخضع لقانون التطور المستمر، وبالتالي يفرض الواقع دائما تحديات جديدة تستلزم المواجهة بهدف تحقيق المصلحة المشتركة.
نحن في هذا العالم نواجه تحديات مشتركة في مجالات متعددة ، ومن بينها مجالات الاقتصاد والمال ، والبيئة ، والمجتمع ، والتكنولوجيا ، فضلا عن المجالات السياسية التي تتعلق بالسلم والأمن الدوليين. وقد أصبح من المسلم به عموما أن معالجة هذه التحديات تستلزم النظر في الأطر التنظيمية للنظام الدولي السائد حاليا بسبب بروز عنصرين أساسيين هما : أولا ، حصول تغيرات جوهرية في التركيبة البنيوية للمجتمع الدولي وظهور أقطاب جدد أو مجموعات قطبية جديدة ، وثانيا ، التنوع في الحاجات الآنية والمستقبلية التي ينبغي توفيرها لكي نتفادى أسباب التهديد التي تتأتى بانعدامها.
كما إن التهديدات والمشاكل التي نواجهها في هذا القرن لا تعترف بالحدود الوطنية للدول. وإذا كان واقعنا ، الذي تجسده العولمة ، يؤكد أكثر من أي وقت مضى حالة الاعتماد المتبادل ، فعندئذ يجب الإيمان بأن التصدي لمشاكل وتحديات العصر لا يمكن أن يستند على سياسات منطق القوة والانفراد المتسلط في فرضها ، سواء بالقوة العسكرية أو غيرها. وعلينا في هذا المجال أن ندرك بأن العالم قد تغيّر . فهو لم يعد العالم الذي يتفاعل فيه الغرب فحسب ، بل أصبح فيه عناصر فاعلة أخرى من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ، أدت إلى ترسيخ الاعتماد المتبادل وتوسيع شبكة النسيج الاجتماعي الدولي بين الشعوب.
ولا يخفى عليكم أن الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية تفرض علينا درسا ينبغي أن ندركه. أننا بحاجة إلى حوكمة جديدة لتفادي إخفاقات النظام العالمي الحالي ، على أساس مجموعة من المبادئ والمنظمات والعمليات التي تساعد العالم في معالجة المشاكل التي تولد نتائج وتأثيرات تتجاوز حدود الدولة الواحدة أو مجموعة واحدة من البشر أو نطاق واحد من الأنشطة الإنسانية. وبعبارة أخرى ، نحن بحاجة إلى أسلوب محدّث لتنظيم الاعتماد المتبادل بما يحقق المنفعة للجميع على قاعدة من الأحكام والموازين التي تحدد فيها الحقوق والمسؤوليات بما ينسجم مع القدرات.
إن الذي ثبت في الأزمة المالية المعاصرة أن أكبر أصحاب القوة المالية والاقتصادية كانوا أول الضحايا قبل أن ينسحب الضرر على غيرهم. وحتى في الصراعات المسلحة ، كثيرا ما تلحق المنتصرين عسكريا أضـرارا كبيــرة بعد انتهــاء الصراعات وتلحقهـم مشاكل لا تحصى في مجالات الحياة الإنسانية. ويسري هذا المنطق أيضا على كل المشاكل العالمية ، وبالتالي لابد من الثبات على إرادة سياسية لمصلحة المجموع ، ولابد من إرساء هذه الإرادة على قاعدة قوة القانون. وإنني أعتقد بأنكم تعلمون جميعا الكوارث الإنسانية التي حلت بالدول والشعوب ، قديما وحديثا ، بسبب إهمال الالتزام بسيادة القانون بموجب ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

السيدات والسادة
الحضور الكرام
إن المبادرة التي أطلقناها مع الاتحاد السويسري وجمهورية سنغافورة تتضمن برنامجا لبحث دولي يشمل جميع الأطراف الفاعلة من الدول ومنظمات المجتمع المدني وقطاع الأعمال، في سبيل حث الجهود وجمع الأفكار والمقترحات والرؤى بشأن تحديد الإصلاحات اللازمة والتعديلات الضرورية والهيئات الجديدة والنظم والقواعد . وقد أخذت دولة قطر على عاتقها رعاية جهود هذه المجموعة الدولية مفتوحة العضوية. وإنه من المُسر لنا أن نرى محاور جدول أعمال المنتدى تتضمن مساحة شاسعة من الأسئلة المطروحة ضمن هذه المجالات الذي ذكرتها، ونحن نتطلع بشغف لما ستفسر عنه مناقشات ورؤى هذا المستوى الرفيع من رجال القانون والقضاء.
وفي الختام يسرني أن أتمنى لكم طيب الإقامة في قطر ولهذا المنتدى التوفيق والنجاح.
وأشكركم.