كلمة سعادة الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية في مؤتمر الإرهاب العابر لندن 9-10 نوفمبر 2006
أيها السيدات والسادة، الحضور الكرام، يطيب لي أن أعرب في بداية حديثي عن خالص الشكر للمعهد الملكي للخدمات المتحدة لدراسات الدفاع والأمن ، ولمديره الأدميرال ريتشارد كوبولد، على الدعوة الكريمة للحديث عن بعض المسائل التي تمت بصلة لموضوع التعاون الدولي لمناهضة تهديد الإرهاب. بدءا أود الإشارة إلى أن هذا الموضوع يعتبر اليوم من أولويات الساحة الدولية، وإن تناوله بالشكل الذي يضعه في إطاره الصحيح يستلزم منا النظر إليه من زوايا متعددة ومترابطة في آن واحد لأن ذلك في تقديري هو السبيل الأمثل لإيفاء الموضوع حقه من الطرح والتحليل الموضوعي. إننا كما تعلمون أعضاء في مجلس الأمن ، ونحن بهذه الصفة ننطلق كدولة عربية، طبقا لالتزاماتنا الدولية والمبادئ الأساسية لسياستنا الخارجية التي تتوافق معها. إننا في قطر نؤكد على ضرورة التمسك بالتعايش السلمي والتعاون على الصعيد الدولي في المسائل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة طبقا لقواعد الشرعية الدولية. كما إننا نركز على قيّم التسامح والعدالة والانفتاح ، وعلى التفاعل بين الشعوب والثقافات والحضارات بما ينبغي لها من احترام وحقها في العيش بحرية وكرامة في أوطانها. كما إننا نؤمن بضرورة احترام حقوق الإنسان وعدم التمييز بين الأفراد على أساس العرق أو الجنس أو اللون أو الدين. وإننا نتمسك بقوة بضرورة تسوية المنازعات بالطرق السلمية طبقا لما يقرره القانون الدولي وبنبذ اللجوء إلى القوة وسواها من أساليب الضغط والإكراه ، وتحقيق مبادئ العدل. وعلى هذا الأساس ندعو دائما إلى تعزيز مكانة ودور الأمم المتحدة في العلاقات الدولية باعتبارها المحفل العالمي الوحيد الذي يجسد ميثاقها الشرعية الدولية التي تحكم سلوك الدول. هذه المبادئ جميعا تمثل في الحقيقة الغايات المشتركة التي تشكّل القاعدة التي أنشأ عليها ميثاق الأمم المتحدة . من هذه المبادئ تنطلق دولة قطر في ممارسة مهام عضويتها في مجلس الأمن، والتي تتركز في جوهرها بالمساهمة في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. إننا ندرك طبعا بأننا كدولة صغيرة نساهم في أداء المهام الملقاة على عاتقنا جنبا إلى جنب مع الدول دائمة العضوية ومن بينها القوة الأعظم . غير أن هذه الحقيقة لا تثنينا عن إبداء قناعاتنا الموضوعية من أجل التوصل إلى حلول متوازنة ضمن حدود الممكن والسبل المتاحة. وفيما يخص موضوع الإرهاب ، لم تتردد دولة قطر في الإعلان عن نبذ العنف والتطرف وإدانة الإرهاب بكل أشكاله ، ومهما كانت أسبابه ودوافعه ، والتعاون من أجل القضاء عليه. وفي هذا السياق ، يبدو لنا بكل تواضع أننا إذا أردنا أن نرسي التعاون الدولي للتصدي للإرهاب على قواعد فاعلة ، فإن من واجبنا جميعا أن نلتفت إلى أهمية جملة من العناصر المتشابكة، من بينها النقاط التالية: - إن التطرف والعنف والإرهاب لا يأتي من فراغ. إنها وليدة أسباب الإحباط التي تدفع إليها ، وبالتالي يجب أن يستند العمل الدولي المشترك لمحاربتها على أساس قواعد الشرعية الدولية ومبادئ العدل والإنصاف، وبخاصة في حل الأزمات والصراعات المسلحة التي تسود العالم ، وبخاصة منطقة الشرق الأوسط . - لابد من دراسة أسباب الإحباط التي تؤول إلى خلق بيئة مؤاتية لارتكاب أعمال الإرهاب، والتصدي للأعمال الإرهابية بسياسات وتدابير وقائية وعلاجية، التي قد لا تكون بالضرورة عسكرية صرفا. - إن ظاهرة الإرهاب والتطرف في عالم اليوم تمثل تعبيرا عن توجهات سياسية لا علاقة لها بالدين ، ويجب التعامل معها على هذا الأساس حتى يصبح بالإمكان معالجتها بنجاح. وفيما يخصنا بالذات نرى أن من واجبنا أن نرفض بشكل قاطع الربط بين الإرهاب والتطرف كظاهرة من ظواهر التأريخ الإنساني ، وبين الإسلام كدين وحضارة وثقافة وتراث. أقول هذا للأسباب التالية: 1. إن جوهر الإسلام معروف ولا يحتاج إلى تزكية، كما أن الإسهام الإسلامي في الحضارة الإنسانية بكل جوانبها لا يمكن أن يرقى إليه الشك ، وهذا هو الرأي السائد في أوساط المعرفة الغربية والعالمية عموما. 2. في الجوانب التي لا تمس جوهر العقيدة الإسلامية ، لم يكن الإسلام ومنذ ألف عام من لون واحد ، وإذا كان تأريخ الأمة الإسلامية يشهد ببعض الحروب ، فإن تأريخ جميع الأمم الأخرى شهد ذلك أيضا . ولكن هذه الظاهرة لم تؤثر سلبا على التفاعل والتداخل والاقتباس والاستنارة المتبادلة . 3. إن العالم الإسلامي يستهدف اليوم بسبب الموقف الذي تتخذه بعض المجموعات لأسباب سياسية ، وليست دينية أو حضارية . وقد كشفت أحداث عالمنا المعاصر عن إختلالات عميقة في طبيعة الرؤية للعالم لدى بعض الفئات والجماعات الإسلامية التي تحاول الصدام مع العالم وتنقطع عنه وترفض الاندماج فيه بسبب أزمة فكرية ناشئة عن عدم القدرة على تكوين المعرفة الصحيحة عن الطرف الآخر المختلف ورسم السبل الإيمانية السويّة للتعامل معه. 4. علينا أن لا نغفل حقيقة أن التخلف يلعب دوره ، وبالتالي فإنه بالقدر الذي يجب علينا فيه التغلب على التخلف وسلوك طريق التحضر من خلال التنمية ، هناك واجب مماثل يقع على عاتق الطرف الآخر، ومفاده تأكيد وترويج مفاهيم التسامح واللقاء والحوار بين الحضارات والأديان بدلا من نظريات الصدام وسلوك التعصب والانغلاق والغطرسة . وعلينا أيضا أن ننأى بأنفسنا عن التصريحات والبيانات التي تؤجج المشاعر الدينية وتكون حقلا خصبا يستثمره المتطرفون لإذكاء سياسات وأساليب العنف. 5. علينا أيضا أن نستذكر بأن الأعمال الإرهابية لم تطل الدول الغربية حسب، بل إنها شملت الدول العربية والإسلامية أيضا مما يدلل على أن هدف الإرهاب أوسع بكثير مما يتصور البعض. - إن من العوامل الأساسية التي تساعد على التصدي للإرهاب اعتماد وتنفيذ سياسة الإصلاح والبناء الديمقراطي بصورة جادة وصادقة على أساس التربية العقلانية المتوازنة التي لا تضحي بالقيم الاجتماعية والروحية للمجتمع ، وتحقيق التنمية من خلال معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لكونها مصادر تهديد لا يمكن الاستهانة بها. إن التعاون الدولي لمناهضة الإرهاب ينبغي أن لا يغفل أهمية العوامل التي ذكرتها . وربما يكون من الأمثل أن نذّكر أنفسنا دوما بأننا نعيش بالضرورة في عالم غير متجانس : غنى وفقرا ، وقوة وضعفا ، ورقيا وتخلفا ، وقدما وحداثة. وفي هذا وذاك تدفعنا جميعا طموحاتنا الذاتية للمزيد مما نعتقده أنه يصب في صالحنا. ولكن علينا أن لا نغفل بأن كفالة الصالح المشترك العام بيننا تتطلب الإسهام من الجميع على أساس التوازن بين الحقوق والواجبات ، أي بعبارة أخرى ، على أساس قوة القانون ، وليس على أساس قانون القوة. ففي النهج الأول تكون النتيجة ربحا للجميع ، في حين أنها في الثاني خسارة مؤكدة حتى بالنسبة للطرف الذي ينجح بفرض إرادته. وشكرًا لكم.